مانشيتمقالات رأي

بين مآلات الوضع في سوريا وحكومة الطرف الواحد .. أين حقوق الأقليات

كمال حسين

بعد مرور نحو ثلاثة أسابيع من سقوط نظام الأسد، ومع وصول “أحمد الشرع” الذي كان قد تخلى عن لقبه “الجولاني” إلى جلوسه على كرسي الرئاسة في القصر الجمهوري في دمشق، وفي المكان الذي كان يشغله بشار الأسد، وتحت مسمى قائد العمليات العسكرية؛ وكأنه فاتح كبير، نصب نفسه قائداً للثورة التي نجحت باستلام السلطة، وحاكماً للدولة السورية، يمتلك شرعية ثورية تخوله الإعلان عن تشكيل حكومة إسلامية من لون واحد؛ كما يحلو له، وقد جرى كل ذلك في أجواء أشاعتها بروباغندا إعلامية شاركت فيها أبواق الدعاية الناطقة باسم فصائل الإسلام السياسي  في سوريا، وفي الدوائر الإعلامية الرسمية التركية والقطرية، ومن يدور في فلكهما في عموم المنطقة.

بعد مرور هذه المدة، وبالتوازي مع فشل الحكومة المؤقتة، (حكومة تصريف أعمال) المُشكلة من سلفيين جهاديين في ضبط فوضى انتشار السلاح، وتنامي الفلتان الأمني، وعمليات القتل والانتقام؛ بعد أن كانت قد تفاقمت حالات السطو والنهب والسرقة في الأملاك الخاصة والعامة، وفي البنوك وأملاك الدولة والدوائر الرسمية.

الفوضى التي امتدت أيضاً إلى حرق وثائق المحاكم، ومحتويات الدوائر الرسمية، وإذا أضفنا إلى كل ذلك تردي الحياة المعيشية المتزايد الذي نتج عن رفع الحكومة لأسعار الخبز وأجور النقل إلى عشرة أمثالها عنها في حقبة بشار الأسد، وزيادة ساعات تقنين الكهرباء في ظل عجز الحكومة عن تسديد رواتب المتقاعدين المدنيين، وغياب أي معلومات حول استمرار حقوق المتقاعدين العسكريين بالحصول على رواتبهم، الرواتب الهزيلة جداً بالأصل.

وبعد العجز أيضاً عن ترجمة الوعود برفع الرواتب، وتقديم المنح والعلاوات؛ يصبح من المنطقي القول “إن جو الخوف والقلق والاضطراب قد بدد فرحة السوريين، وهو الآن سيد الموقف، ويطبع المزاج الشعبي العام.

فلهذه الدواعي وغيرها لم يكمل شهر العسل أيامه الثلاثين، وخاصة بعد بروز تجليات تُشي بأن الحكومة المؤقتة تحث الخطى باتجاه تشييد إمارة إسلامية عبر سلسلة من التعيينات الجديدة في مفاصل الدولة، ومؤسسة الأمن والدفاع، حتى انطلقت التظاهرات التي شارك فيها عشرات الألوف في عموم المدن والتجمعات السورية، كان أهمها تلك التي شهدتها ساحة الأمويين في دمشق، وعلى غرار ما جرى في ساحة “الشيخ ضاهر” في اللاذقية وفي حمص وغيرها، التظاهرات التي عَبَّرَ منظموها عن نبذهم لنموذج دولة الإمارة الإسلامية، عبر ترديد شعارات سوريا مدنية – سوريا حرة حرة.

وتحبيذهم للديمقراطية والعلمانية في شكل الدولة القادم؛ في خطوة فيها الكثير من الدلالة والرفض لمسودة الدستور الذي تسعى سلطات “أحمد الشرع” الترويج لها، هذه المسودة التي تفصح عن نوايا فرض دستور لدولة دينية رئيسها مسلم، ومرجعيتها الفقهية في مراجعة الدستور أو تعديله مُشَكَّلةٌ من قادة الفصائل.

هذا، ولأن الاحتجاجات كانت مذكورة آنفاً؛ كانت قد جرت على خلفية التوجس من عوامل قلق ومخاوف تتهدد نمط الحياة، ووحدة النسيج الاجتماعي، واستقراره في ظل حكومة تنتهج سياسات تعزف في كل تدابيرها وقراراتها على إيقاظ الغرائز والأحقاد بين مكونات وطوائف الشعب السوري؛ فإن الطامة الكبرى قد جاءت أخيراً  بطريق التطاول على الرموز الدينية، وفي الإساءة وخدش المشاعر الدينية لمكونات علوية ومسيحية، الأمر الذي أدى إلى مظاهرات ووقفات احتجاجية عارمة جديدة استخدم الرصاص لإخمادها في مدن دمشق وطرطوس وجبلة واللاذقية، وفي سائر البلدات العلوية في الساحل (كـ مشقيتا والقرداحة)، كما شهدت التجمعات والمدن المسيحية في (السقيلبية ومحردة)  احتجاجات مماثلة.

لكن، وبالابتعاد قليلاً عن أجواء القلق والاضطراب والعنف التي تتواكب مع سعي غرفة العمليات المشتركة لجمع السلاح، وملاحقة المسؤولين المتوارين من النظام السابق، وما يرافق ذلك من أعمال القتل والقتل المضاد؛ فإن السؤال الذي يساور الكثيرين في المناطق العلوية؛ من الذي يضمن لنا أمننا بعد تسليمنا لأسلحتنا لحكومة لا تمثل السوريين، ولا تقبل حتى الآن بمشاركتهم؛ بل تنظر إليهم بعقلية من يطلب إذعانهم.

وفي سياق متصل، تقديم الفصائل الإسلامية المتطرفة نفسها؛ والتي استحوذت على السلطة؛ بأنها قد أحرزت لقب البطولة وحدها، ووحدها من قاتلت نظام الأسد، وانتصرت عليه، فيما تقاعس ما عداها، وبذلك لها الحق دون غيرها من السوريين جميعاً باحتكار لقب الثوار باعتقال من تشاء، وملاحقة من تراه من زاويتها؛ من عملاء النظام السابق. 

وبما أن جميع الوقائع والمتابعات التي واكبت تفاصيل السقوط؛ تدلل بأن سقوط النظام لم يكن بفعل جهود الجولاني، وجهود الفصائل المتفردة بالاستحواذ على السلطة، وعلى حق التفرد بحمل السلاح، بل سقط من نفسه، وسلم السلطة دون قتال يذكر، ضمن صفقة مبهمة قد جرت بين الدول الفاعلة على المسرح السوري.

تجمع التحليلات على أنها بُنِيَتْ على تقاطع مصالح دول عدة؛ اتفقت على الإجهاز على نظام بشار الأسد، وإبعاد إيران عن المعادلة السورية. تفاهم على حساب روسيا وإيران، أو ربما تكون روسيا قد اسْتُبْعِدَت منه؛ الأمر الذي يعطي الانطباع لهؤلاء المتفاهمين بأنه قد أفضى إلى تحقيق اختراق تركي بالغ الأهمية، تجلى بحصول أنقرة على حصة الأسد من الوليمة السورية، حصة اقتضت بتفويض أنقرة ومساعدتها عبر تأمين الغطاء الجوي أثناء عملية الدفع بأذرعها من الفصائل الإرهابية المتمثلة في هيئة تحرير الشام، وتلك المنخرطة في ما يدعى بالجيش الوطني، والمكونة من أصول تركمانية عالية؛ في خطتها لاحتلال العاصمة دمشق، وبنتيجة ذلك يتفق البحث على إن تركيا أردوغان قد حولت سوريا كجغرافية سياسية إلى ولاية تركية.

ذلة لسان أردوغان في إحدى تغريداته على تسميتها بالمحافظة الثانية والثمانين، وبأن الشرع قد أصبح هو الوالي على سوريا؛ في طور تشكل الملامح الأولى للخلافة العثمانية الجديدة، وأن تكون سوريا قد أصبحت في القبضة التركية تماماً، فهذا ما تؤكده الزيارات المتسارعة لوزير الخارجية التركية، ورئيس الاستخبارات إلى دمشق، وعودة العلاقات الدبلوماسية كأول سفارة تعيد فتح أبوابها؛ أضف إلى التدخلات السافرة في توجهات الحكومة المؤقتة لناحية الدفع بها إلى مواجهة مع قوات سوريا الديمقراطية.

أما ما هي المكاسب الاسرائيلية من هذا التفاهم؟ وما هي مبرراته ومحاذيره؟ وما وظيفة السلطات الجديدة من زاوية إسرائيل؟ ومتى تنتهي هذه الوظيفة؟ وهنا تحضر رزمة من الأهداف والمخاطر يقع في رأس الأهداف، إسقاط النظام، ومن خلال سقوطه طرد إيران وحزب الله من الساحة السورية، وبالتالي توجيه ضربة شبه قاضية للمعادلة الإقليمية الإيرانية، سيكون لها حتما ارتدادات بالغة على الساحة الإيرانية الداخلية.

وثاني المكاسب والأهداف المتحققة في حسابات المصالح الإسرائيلية فهو توفير الفرصة لتفكيك الجيش السوري دون إية خسارة، وللتخلص من ترسانته. ولا شك بأن هدفاً ثالثاً قد صار الجو مهيأ لتحققه؛ وقد يكون البت بلزومه رهن بتطورات ومعادلات متحركة عدة؛ ألا وهو تفكيك الدولة السورية، هذا الهدف الذي سيتحتم تحققه في حال مكث الجولاني لمدة أطول في سدة السلطة.

أما عن قائمة المحاذير والأخطار التي جلبها أحمد الشرع لتؤثر سلباً على التوازنات الجيوستراتيجية بما يخل بمصلحة إسرائيل فلا شك بأنها كبيرة جداً، ولا يمكن لإسرائيل القفز من فوقها أو تجاهل مواجهتها، وتتعلق بخروج سوريا وعاصمتها دمسق من العباءة الإيرانية الشيعية؛ لتتقمص العباءة العثمانية الإسلامية السنية الأشد خطراً. هذا التطور الذي تُدرك المراكز البحثية الإسرائيلية المهتمة بمستقبل الوجود الإسرائيلي؛ حجم مخاطره العميقة والمباشرة، والذي لا يمكن أن تتأخر بمواجهته، حيث تكثر مقالات الرأي والتحليل في الإعلام الإسرائبلي عن المعاني السلبية لوصول تنظيم القاعدة إلى الحدود الشمالية للدولة العبرية، والتي كان أهمها مقال جريدة معاريف الذي يسمي ما حصل من اختراق تركي إسلاموي في عاصمة الأمويين؛ “بولادة جغرافية جديدة تدعى “أردغستان”.

وقائمة الهواجس الأيديولوجية الإسرائيلية حيال هذا الحدث لا تتوقف، ففيما يسجل سقوط الأسد هزيمة ساحقة ببقايا التيار القومي العربي المتصادم تاريخياً مع إسرائيل؛ فإن إنجازاً كبيراً يعوضه بالسلب على إسرائيل وتحالفاتها الإقليمية، ويتعلق بفورة لا بطفرة الإسلام السياسي والجهادي منه.

كل ذلك يوحي بأن المنطقة ما زالت في طور الارتجاج الكبير، سيما إذا تأملنا بجملتين تَضَمَنَّها تعليق ترامب على الحدث السوري، الأولى، فيها غزل موارب حين تلفظ بأن مفتاح المسألة السورية قد أصبحت بيد تركيا، والثانية، حين وصف العملية التركية في سوريا، وعن طريق الفصائل بغير الودية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى