مسؤولية سلطة الدولة المركزية العقائدية في إسقاط نموذجها

كمال حسين
هل تقول الوقائع الحاصلة اليوم في الجنوب السوري إن سلطة الأمر الواقع الإسلاموية المتسبدة على القرار السوري في دمشق قد تسببت في إحداث صدوع غائرة في البنية الوطنية؟ لم يكن نظام الاستبداد المافيوي السابق، على قذارته ليجرؤ على القيام بها، فبصرف النظر عن مسار تطور الأحداث هناك، وعن الوجهة التي يمكن أن تأخذها لناحية الاقتراب أكثر من فرص قيام الدولة السورية المدنية العلمانية اللامركزية؛ بالاستناد إلى عوامل تتصل بطبيعة حِراك السويداء الذي دأب منذ انطلاقته، وبتأثير من نخبه الرائدة على التمسك بقيم الدولة اللامركزية والمدنية الديمقراطية من جهة، ومن حقيقة أن جماعة أحمد العودة وتحالفاتهم الإقليمية وولاءاتهم الدولية أقل ميلاً للأسلمة السياسية منها، عند تلك التي تتميز بها الفصائل المنضوية تحت إمرة الشرع والأتراك.
ويعزز ذلك الانطباع ما أفصح عنه ناطق باسم المجلس العسكري للسويداء أمس عن تقديره لدور قوات سوريا الديمقراطية ودفاعه عن نضالها في سبيل سوريا واحدة ديمقراطية ولا مركزية.
لكن وفي مطلق الأحوال لا يجوز تجاهل الدور السلبي لسلطة حكومة دمشق الحالية في تأجيج مخاوف المكونات العرقية والدينية، من علويين ودروز ومسيحيين، بالإضافة للشعب الكردي، وأنصار المجتمع المدني الديمقراطي، والفئات العلمانية، والحركات النسائية، وذلك جراء جملة السياسات الاقصائية التي اتبعتها هذه السلطة منذ اليوم التالي لسقوط نظام بشار الأسد، والتي رسَّخت الانطباع بذهن جميع المتابعين بأنها متجهة للانقلاب على كل تراكمات الموروث النضالي للشعب السوري، والاتجاه حثيثاً، بدءاً بحكومة المشايخ مروراً بمسرحية يوم الانتصار، وتنصيب الشرع المصنف على قوائم الإرهاب في منصب رئاسة الجمهورية، مروراً بتشكيل الجيش من قادة فصائل مقاتلة لا علاقة لها بمؤهلات قادة الجيوش، ومن مرتكبين أجانب غير سوريين، جرى ترفيعهم وهم بدورهم ضالعين بجرائم إرهابية، وعلى أكثر من صعيد.
ليس هذا وحسب؛ بل الأدهى، خضوع القيادة الجديدة للإملاءات التركية في كل ما يتصل بشكل الجيش وبنيته وعقيدته ومهامه، والسعي لزج إمكانيات الدولة السورية، وقدراتها لمواجهة تطلعات الشعب الكردي وقوات سوريا الديمقراطية.
أضف إلى ذلك استباحة الأسواق السورية لمصلحة المنتجات التركية، وعلى حساب المصالح الوطنية للاقتصاد السوري؛ تصل إلى بيت القصيد ومحطة (المؤتمر الوطني)، والتراجع عن استحقاقه إلى ما يسمى بمؤتمر الحوار الوطني، والاستفراد بتركيبة اللجنة التحضيرية التي تنهض بمهامه وهوية المدعوين إليه.
فإذا كان من وظائف المؤتمر الوطني الذي اختزل إلى مستوى مؤتمر حوار وطني، انتخاب هيئة تشريعية تعنى بوضع دستور البلاد، أو إقرار إعلان دستوري، ومتابعة تعيين حكومة الوحدة الوطنية التي يجب أن تمثل مصالح كل السوريين، فأي مؤتمر، وأي وطن هذا الوطن السوري الذي سترسمه، وتعد له لجنة تحضيرية لا تضم أيا من المكونات العرقية والطائفية من غير العرب السنة، والمتطرفين منهم على وجه الخصوص، فلا شك بأن الجواب اليقيني عند معظم المشتغلين بالتفكير السياسي وجمهور الثائرين على نظام الاستبداد على قاعدة الأمل بالتغيير الديمقراطي والعدالة وحق المواطنة؛ هو الرفض والاستياء والتوجس مما سيصيب وحدة النسيج الوطني، وبالتالي وحدة البلاد.
فعلى خلفية السياسات الاقصائية والطائفية لسلطات الأمر الواقع في دمشق، والتي كان آخرها ودليلها هذه الصيغة الهمجية من مؤتمر الحوار الوطني، وفي مناخ الفوضى والفشل في معالجة الملفات المتصلة بإدارة البلاد، وفي ظل انسداد الأفق لإيجاد خارطة طريق تفضي إلى عقد اجتماعي توافقي جديد يوازن بين مصالح السوريين، وفي ظل غياب موقف وطني واضح من التدخلات الخارجية، وبخاصة التركية والإسرائيلية منها؛ يمكن القول إن قلقاً جمعياً ينتاب الغالبية الساحقة من السوريين، قلقٌ على سلامة وجودهم واستقرارهم ومستقبلهم ومستقبل أجيالهم، قلقٌ كان من أولى ارتداداته الموضوعية هو التطور الحاصل في المنطقة الجنوبية، والذي ترافق مع إعلان المجلس العسكري في كل من السويداء ودرعا، ثم التوجه إلى إعلانها مناطق تدار ذاتياً من قبل أهلها، في خطوة صريحة تعلن انفكاكها عن سلطة المركز الإسلاموية المتطرفة في دمشق.
وليس هذا وحسب؛ بل تتوالى حوادث الانفكاك عن سلطة المركز، والتي كان آخرها إعلان قيام إقليم أوغاريت ككيان محلي حدد نطاقه في مدن الساحل السوري، متضمناً اللاذقية وطرطوس وجزيرة أرواد. ورغم الضبابية التي تحيط بهذا الإعلان من ناحية الهوية السياسية، والتعبوية للجهات الراعية والصانعة لهذا التطور، فيمكن التوقف عند مسألتين فيه، الأولى، التوقيت والتوافق الزمني مع إعلانات السويداء ودرعا، والثاني إعلانه نية إقامة إدارة ذاتية في الساحل على طريقة السويداء، إدارة لا تقطع مع دولة المركز اللامركزية، المنتظر قيامها في مشروع دستور سوريا القادم. الأمر الذي يعني في جوهر الأمور إن دولة المركز التي تربعت على عرش سوريا في عهد البعث الأسدي، وتالياً في عهد خلفه الشرع الإسلاموي المستنبت في أنقرة.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار واقع تجربة الإدارة الذاتية القائم على جزء مهم من الجغرافيا السورية بقيادة مجلس سوريا الديمقراطية؛ يمكن الجزم أن دولة المركز هذه أصبحت وهماً ولم تعد لبوساً يصلح لجسم الدولة السورية المرتقبة.
إلى ذلك، ووفقاً للمعطيات والدروس المستقاة من التجربة المقيتة في الأشهر الثلاثة الماضية؛ نصل إلى ضرورة القطع مع طبخة البحص التي تدور حول حلم التغيير الديمقراطي عبر مؤتمرات وآليات بالية، مجرب مثيلها في مطبخ نظام الاستبداد القومجي الأذكى والأخير السابق، وأن أي مراهنة على نتائج مرجوة مع نظام أقطابه مجموعة من قادة فصائل إرهابية، يعد مضيعة للوقت، وهدر لجهود الشعب السوري، وتضليل لبصيرته. حيث تحضر في هذه المناسبة مسؤولية بعض القوى السياسية، وبعض المثقفين والناشطين السوريين في الداخل والخارج؛ الذين تأخذهم الخطابات المعسولة للرئيس المُنَصَّب أحمد الشرع. تلك الخطابات التي لا تسندها أية تدابير واقعية، ومن نافل الإشارة هنا إلى ما تردده صحافة بعض الأحزاب الديمقراطية الثورية، مثيل ما تكتبه جريدة قاسيون الناطقة باسم حزب الإرادة الشعبية في مقالها الافتتاحي عن أن مؤتمر الحوار الوطني المزمع يعد خطوة مهمة باتجاه المؤتمر الوطني العام، دون الإشارة إلى اعتوار اللجنة التحضيرية المعنية في متابعة وإعداد أعماله، وتكرر أسماء من أمثال رضوان زيادة وغيرهم.
العزف على نفس الآلة، الأمر الذي يعني أن على النُخب والحركات السياسية السورية استثمار الوقت، والتقاط الفرص، وتكاتف السواعد بغية الوصول إلى المخارج الواقعية في المشكلة الوطنية، والتي تحاكي وتتلائم مع ظروف الفسيفساء الوطنية السورية، ومع المناخاة الدولية التي لم تعد تتساهل مع نماذج الدول القومية والعقائدية المتطرفة، والمعدة للتصدير إلى خارج الحدود الوطنية.